الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين... أما بعد: فأسأل الله تعالى أن يبارك في جهودكم ويسدد خطاكم، ويجزيكم خيرًا على غيرتكم الدينية وحرصكم على نصرتكم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
أخي الكريم: لا يخفى عليكم أن هذه البلاد بلاد كفر وإلحاد، وأهلها لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، وليس لهم احترام ولا تقدير لشيء مطلقًا، فيستهزئون بالرب العظيم وبأنبيائه ورسله ودينه... والاستهزاء برسول الله موسى أو عيسى عليهما السلام موجود ومشهور بينهم، ولا ينكره حتى النصارى منهم. وكذلك الاستهزاء بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم موجود عندهم منذ زمان بعيد، لكن بعض سفهائهم وجدوا فيه في هذه الأيام وسيلة للشهرة والمال وإثارة المسلمين وإشغالهم وجرهم إلى الاصطدام بغيرهم حتى يوصفوا بالإرهاب والعنف.... ولا شك أن قوانين هذه البلاد تحميهم وتعطيهم هذه الفرصة تحت مسمى الحرية والديمقراطية، فلا يمكن منعهم، بل إذا منعوا من صحيفة نشروها في أخرى، وإذا منعوا في بلد نشطوا في بلد آخر...
لهذا فينبغي معالجة هذا الأمر بحكمة بالغة ودقة وضبط للنفس، وقد درسنا هذا الموضوع جيدًا خلال هذه السنوات، واستشرنا العلماء، فكان الرأي والنصيحة: صرف النظر عن هذا الموضوع، وإهماله تمامًا، حتى يخيب طالبو الشهرة أو المال، ومريدو الفتنة والتحريض، والأيدي اليهودية الخبيثة التي تريد جر أوربا إلى صراع مع الإسلام بما يخدم مصلحة دولتهم وكيانهم.
وتأمل ـ أخي الكريم بارك الله فيك ـ تلك الصور التي نشرت في عدد واحد في صحيفة دنمركية؛ لولا أن بعض الإخوة سعوا في نشرها وتنبيه الناس عليها والدعاية ضدها لانتهت إلى سلة الإهمال والنسيان، ولكانت نهايتها ما يحصل لكل عدد جديد من الصحيفة: يقلبها الناس في غرفة الانتظار أو في الباص والقطار، أو عند شرب القهوة، ثم ترمى وتتلف ولا يلتفت إليها أحد.
وهذا المبدأ في معالجة هذه القضية ليس مجرد رأي واستحسان، أو رغبة في تجنب المواجهة، بل هو من فقه الكتاب العزيز، كما قال ربنا سبحانه: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108].. فدلت هذه الآية على مبدأ تجنب الإثارة والمواجهة بما يؤدي إلى شر أعظم وفساد أكبر، وتأمل كيف ختم الله هذه الآية بقوله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ}... فهذه الآية فيها تسلية حيث ليست لنا سلطة ولا قوة لمنع هذه الإساءات.
والمقصود أن هذه الإساءات لن تنتهي، كما أنها تزداد بردود المسلمين واهتمامهم، فخير علاج لها: هو الإهمال المطلق لها، وعدم الالتفات إليها، وحفظ مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو قدره وسمو منزلته عن الخوض في هذه الأمور، والانشغال بما يريد الشيطان وأتباعه إشغالنا عنه، وإلهائنا بغيره، وهو: الدعوة إلى الدين الحق، وإقامة الحجة على الخلق. وإن من صفات المؤمنين الممدوحين أنهم لا يقفون عند اللغو، ولا يخوضون فيما لا ينفعهم ولا ينفع دعوتهم:
قال ربنا سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}
وقال عز وجل: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}
وتأمل ـ رعاك الله ـ جيدًا قوله تعالى: { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
وهذه الآيات الكريمة، وما ورد في معناها، وهي كثيرة جدًّا، ليست منسوخة كما قال جماعة من المفسرين، بل هي محكمة، حكمها باق حسب ما يقتضيه الزمان والمكان والحال، كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من العلماء المحققين.
أسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياكم على دينه، ويستعملنا في طاعته، ويجعلنا من أنصار نبيه صلى الله عليه وسلم وإخوانه ويحشرنا في زمرته بمنه وكرمه.
|