اللاسلكي وموقف العلماء في المملكة العربية السعودية
اللاسلكي وموقف العلماء في المملكة العربية السعودية
د. فهد بن ناصر الجديد / باحث في المنهجية الدعوية للمملكة العربية السعودية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
كثيراً ما يُردد بعض الكتاب عبر وسائل الإعلام المختلفة أن الإصلاحات الحديثة في المملكة العربية السعودية التي قادها الملك عبد العزيز – رحمه الله – كانت تواجه عقبات كثيرة من العلماء وطلبة العلم. وأن وقوف الملك بحزم ضد هؤلاء العلماء - ومن تبعهم - جعل البلاد تزدهر بحركة التحديث. وكان اللاسلكي من الوسائل الحديثة التي دخلت البلاد وأحدثت ردود أفعال في المجتمع حتى بلغ الأمر ببعض الناس أن اللاسلكي من عمل الجان وأن الذبائح تقدم له. ولكن ما مدى صحة هذا القول؟ وهل كان الملك يخالف العلماء؟ وهل كان العلماء يُحرمون الناس من الانتفاع بالوسائل الحديثة؟
الشيخ حافظ وهبه – رحمه الله – من المستشارين للدولة في زمن التأسيس وقد كتب عن الموضوع، فذكر في كتابه جزيرة العرب في القرن العشرين في صفحة 287 مانصه : (أخبرني جلالة الملك في شعبان سنة (1351هـ - ديسمبر سنة 1932م) - أثناء زيارتي للرياض أن بعض كبار رجال الدين حضروا عنده سنة (1931م) لما علموا بعزمه على إنشاء محطات لاسلكية في الرياض وبعض المدن الكبيرة في نجد. فقالوا له : يا طويل العمر، لقد غشك من أشار عليك باستعمال التلغراف وإدخاله إلى بلادنا..) وقال حافظ وهبه أيضاً في نفس الصفحة : (وكان العلماء يرسلون من يأتمنونهم لزيارة المحطة ورؤية الشياطين والذبائح تقدم لهم، فلم يجدوا شيئاً).
يُلاحظ من كلام حافظ وهبه أن اعتراض العلماء على الملك كان في عام (1350هـ الموافق 1931م) كما يرويه حافظ وهبه، ولكن بعد الرجوع إلى رسائل العلماء التي ذكرها حافظ وهبه في نفس الكتاب (جزيرة العرب) وبالتحديد في صفحة 296 ذكر رسالة للعلماء في عام (1345هـ الموافق 1927م)، جاء فيها : (من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وعبد الله بن عبد العزيز العتيقي، وعبد الله العنقري، وعمر بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، عبد الله بن عبد اللطيف، عمر بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، وعبد ا لعزيز العنقري، إلى من يراه من إخواننا المسلمين. سلك الله بنا وبهم الطريق المستقيم. وجنبنا وإياهم طريق أهل الجحيم، آمنين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد : فقد ورد علينا من الإمام – سلمه الله تعالى – سؤال من بعض الأخوان عن مسائل يطلب منا الجواب عنها، فأجبناه بما نصه : أمام مسألة البرقي [التلغراف اللاسلكي] فهو أمر حادث في آخر الزمان. ولا نعلم حقيقته، ولا رأينا فيه كلاماً لأحد من أهل العلم، فتوقفنا في مسألته، ولا نقول على الله ورسوله بغير علم، والجزم بالإباحة والتحريم يحتاج إلى الوقوف على حقيقته ..).
يُلاحظ من الرسالة السابقة أن العلماء توقفوا فلم يُحلوا ولم يُحرموا وكان ذلك في عام (1345هـ الموافق 1927م)، أي قبل كلام حافظ وهبه – غفر الله له - بخمس سنوات.
وهناك رسالة أخرى في عام (1346هـ الموافق 1928م) تُفيد بأن العلماء أباحوا استخدام اللاسلكي، بل وأنكروا على المعترضين، فجاء في كتاب تذكرة أولي النهى والعرفان للشيخ إبراهيم آل عبد المحسن – رحمه الله - الجزء الثالث صفحة 181 ما نصه : (أشرفنا على بعض مكاتيب الإمام عبد العزيز - وفقه الله - من بعض الأخوان ورأينا فيها بعض الكلام في مسألة الأتيال (اللاسلكي)، وأجناسها وكأنه مشكل عليكم توقفنا العام الماضي عن الجزم بالتحليل، وظننتم أن عندنا أمراً قد كتمناه عنكم وهذا الظن ما ينبغي منكم بنايا أخونكم لأن الواجب عليكم أن لا تظنوا أننا نتوقف عن شيء قد ظهر لنا حكمه مراعاة لوجه أحد من الناس فنعوذ بالله أن نكون كذلك، وإنما توقفنا اتباعاً لأمر الله وما جاء في سنة رسول الله r وقد قال الله سبحانه ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ونحن ما نقول ولا نعمل إن شاء الله إلا بما ظهر لنا من كتاب الله وسنة رسوله r وأقوال السلف رضي الناس أم غضبوا، وعند العلماء قاعدة مشهورة وهي أن العلماء مشهورة وهي أن العلماء إذا توقفوا في شيء واختلفوا فيه فلا يعاب على فاعله ولا يعاب على تاركه إلا بدليل شرعي. أما مسألة الأتيال وأحناسها فلا والله ونبرأ إلى الله أن يكون قد ظهر لنا فيها أمر محرم من كتاب الله وسنة رسوله ومن أقوال العلماء ومن أهل الخبرة ممن نثق به فنقول من تكلم في مسألة الأتيال بتحريم أو أعاب على الإمام بسببها فقد أخطأ وارتكب معصية وخالف أمر الشريعة هذا الذي ندين الله به وهو الحق ونبرأ إلى الله م غير ذلك هذا الذي عندنا ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها).
وفي اجتماع الجمعية العمومية المنعقد في الرياض في عام (1347هـ) - كما ذكر صاحب كتاب تذكرة أولي النهي والعرفان الجزء الثالث صفحة 185- وجه الملك عبد العزيز كلمة إلى العلماء جاء فيها (أيها العلماء اذكروا أن الله سيوقفكم يوم العرض وستسألون عما سالتم عنه اليوم وعما أمنكم عليه المسلمون فأبدوا الحق في كل ما تسألون عنه ولا تبالوا بكبير ولا صغير وبينوا ما أوجب الله للرعية على الراعي، وما أوجب للراعي على الرعية في أمر الدين والدنيا ..) فرد العلماء : (أنهم لم يجدوا في الكتاب ولا في السنة ولا أقوال العلماء العارفين دليلاً بالتحريم، وأن من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب ونبرء إلى الله منه).
وعندما سؤل العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - عن البرقية قال : (هذه نعمة من نعم الله، حيث إنها تنقل الأخبار وتوفر الوقت وتعلم عن الرايح والجاي، وبواسطتها يعلنون دخول شهر رمضان وثبوت العيد) ثم أضاف : (عسى الله يجيبه عندنا بعنيزة، لأنه من وسائل الاتصال السريعة التي تخدم الناس وتنقل الأخبار). انظر كتاب مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي، تأليف محمد السعدي ومساعد السعدي، صفحة 70.
مما سبق اتضح أن موقف العلماء من اللاسلكي باختصار هو : التوقف في عام (1345هـ)، لعدم تبين حقيقته ، والإباحة في عام (1346هـ) وما بعده ، لما تبينت حقيقته، وهذا هو الموقف العلمي الحكيم ، الموافق لقوله تعالى : ( ولا تقف ماليس لك به علم ) ، وقوله : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) .
وأما أقوال بعض المنتسبين للعلم فليس لها رصيد في واقع الدعوة الإسلامية. والله أعلم.